ابن الحنبلي
576
در الحبب في تاريخ أعيان حلب
وعندما قرب أوان وفاته رأى في منامه كأنه سقط في حفرة دولاب ماء ووضعت عليه اللبنات كما في القبر فأصبح محموما وهو يخبر أن تلك الحفرة ما هي إلا القبر / وأنه يموت بتلك الحمى فكان الأمر كما قال ، ولم يزل عند الاحتضار يذكر اللّه تعالى إلى أن خفي صوته شيئا فشيئا ، وفارق الدنيا ، وكانت وفاته في المحرم سنة تسع مائة ، ودفن بتربته التي أنشأها خارج باب المقام . واختلق عليه بعض الحساد أنه سماها إرم ذات العماد « 1 » ورفع ذلك إلى مسامع السلطان قايتباي حتى كانت منه المصادرة لتوهم أن له الأموال الكثيرة الوافرة . وقد بلغني أنه كان مع ماله من الفضائل العلمية والمآثر العلية لسنا [ بليغا ] « 2 » جهوري الصوت حسن التلاوة حسن النية معمور الطوية معتقدا « 3 » ، معتقدا ، لسان المجالس ، وترجمان المحافل ، مقدام كل خطب ، وحلّال كل أمر صعب ، منور الشيبة ، وافر الهيبة ، مخفوض الجناح ، ومائلا إلى أرباب الصلاح ، يقول الحق ولا يخاف في اللّه لومة لائم ، كما هو الأحق ، حتى إنه لما كانت سنة إحدى وثمانين وثمان مائة ، وكان كافل حلب فيها قانصوه اليحياوي « 4 » ، حضر جدي إلى الجامع الأعظم ليلة الثلاثاء لرؤية فكان في منزلة الهلال قتر فأمر بتعليق القناديل كما هو العادة فأصبح الناس صياما لم يختلف في الصوم « 5 » رجلان ، فلما كان يوم الثلاثين على أن أول رمضان الثلاثاء وهو يوم الأربعاء دخل الفخر عثمان الكردي « 6 » إلى الكافل وقال له : إن
--> ( 1 ) إرم ذات العماد : ذكرها القرآن الكريم فقال : « إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ » هي إرم عاد ، واختلف فيها فمنهم من جعلها مدينة ، ومن قال هي أرض كانت واندرست ، ومنهم من قال هي الإسكندرية ، وأكثرهم يقول هي دمشق وقيل باليمن ويروون أن شداد بن عاد بناها على صفة الجنة في أشجارها وأنهارها وهي : « إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ » . انظر : مراصد الاطلاع 1 / 59 . ( 2 ) من : سو . ( 3 ) ساقطة في : م . ( 4 ) سبق التعريف به في : ج 1 / 732 . ( 5 ) في م : القوم . ( 6 ) انظر الترجمة : رقم « 291 » .